Page 149 - web
P. 149
حكًًرا على القنوات الرسمية ،بل أصبح موََّجًًها مباشرة إلى الرأي مقالات وآراء
العام العالمي عبر وسائط رقمية متعددة ،تسهم في بناء
تستند الدبلوماسية الحضارية إلى منظومة من القيم
جسور التواصل والتفاهم بين الشعوب والحضارات. الإنسانية التي تسعى إلى تجاوز منطق الصراع ،والعمل على إثراء
ويساعد الإعلام الرقمي الدول والمؤسسات على تعزيز قيم الفكر الإنساني المشترك وتقريب وجهات النظر بين الشعوب.
الحوار الحضاري ،ونشر ثقافة التسامح واحترام التنوع الثقافي وقد اعتبر المفكر مالك بن نبي الحضارة وسيلة لحماية الإنسان
والديني ،إضافة إلى دعم مبادئ حقوق الإنسان ،بما يسهم من مظاهر الانحطاط والهمجية ،مؤكًًدا عناصرها الأساسية:
في بناء صورة ذهنية إيجابية للدولة أو الفاعل الحضاري في الإنسان ،والتراب ،والزمن ،ومرجعيتها الديناميكية المتنقلة
البيئة الدولية. عبر الزمان والمكان (ابن نبي.)1986 ،
ثانًًيا :التحديات الأمنية المرتبطة بالإعلام الرقمي وتسعى الدبلوماسية الحضارية إلى بناء نموذج تواصلي
رغم الفرص التي يتيحها الإعلام الرقمي ،فإنه يطرح تحديات يقوم على الحوار والتفاعل المتكافئ ،بدل العلاقة العمودية
أمنية وفكرية ،من أبرزها انتشار المعلومات المضللة والأخبار القائمة على الإرسال من طرف والاستقبال من طرف آخر ،بما
الزائفة ،وتصاعد خطاب الكراهية ،والاستقطاب الرقمي الناتج يتوافق مع التحولات المعاصرة للنظام العالمي القائم على
عن خوارزميات المنصات التي تعزز «فقاعات الرأي» ،مما قد
يحّّد من التعددية الفكرية ويضعف الحوار الحضاري المتوازن. الشراكة والاحترام المتبادل.
كما أن بروز ما ُُيعرف بـ«الذات الرقمية» أدى إلى انفصال رابًًعا :الدبلوماسية الحضارية في العصر الرقمي
بعض الممارسات الافتراضية عن الضوابط الأخلاقية
والاجتماعية ،بما قد يفاقم المخاطر الأمنية والفكرية في برزت الدبلوماسية الحضارية كحاجة إنسانية حقيقية تقوم
على قواعد ومعايير تحكم العلاقات بين الدول والمجتمعات
الفضاء الرقمي. لضمان السلم والأمن والتعاون .وهي تستثمر تجارب الماضي
للحد من مخاطر الحاضر ،وتعزز قيم الإنسانية ورعاية الإنسان،
في عالٍ ٍم ُ ُتعيد فيه
المنصات الرقمية تشكيل بعيًًدا عن المصالح الضيقة أو الإضرار بالآخرين أو البيئة.
ويزداد دورها أهمية في ظل انفجار المعلومات في العصر
الوعي الجماعي ،تصبح الرقمي ،الذي أدى إلى ذوبان الحدود التقليدية بين الفئات
الدبلوماسية الحضارية المجتمعية ،سواء كانت دينية أو قومية أو لغوية أو جغرافية،
ضرورة إستراتيجية لحماية وجعل العالم أكثر تفاعاًلا واتصااًلا عبر الإنترنت ووسائل الإعلام
الأمن الفكري وبناء جسور الرقمية .وُُتعد هذه الثورة الرقمية عاماًلا حاسًًما لتكييف
التفاهم بين الشعوب عبر مختلف القطاعات – التربية والتعليم ،التجارة ،الاقتصاد – مع
أدوات القوة الناعمة التحولات العالمية ،وتعمل كوسيط إستراتيجي لتعزيز الوعي
العالمي وبناء دبلوماسية حضارية قائمة على قيم مشتركة،
مثل السلام ،وحقوق الإنسان ،وحماية البيئة ،والتعددية
الثقافية ،والاعتماد المتبادل ()Melissen, 2005; Nye, 2004
َََوَخََِِبق﴿ََََويبيٌٌيرااِِبئ﴾ََأّرََُّ.يزلََاهِِللاََبتاََلَّنّععااََدر ُ ُُُافلسأوِإَّانّخِاإّلَنّاَ َخََقََألْْْْيقكََََنراوََاُمُلكُُدكيمْْنّمِّيمِِلعننهََََذدذََِهّكٍَهلٍرا�ا ََلِوُُأنقََأىىيْْتَََثقم ََاوَُُفكَج ْْيََمعِْْلإّقَََننّاوُلَُهكَّلهْاْ�تم َ ُُعشاََلعُُِِلعىي:وًًٌٌبام
خام ًًسا :الإعلام الرقمي والدبلوماسية الحضارية بين
الفرص والتحديات الأمنية
أواًلا :الإعلام الرقمي كأداة للدبلوماسية الحضارية
أضحى الإعلام الرقمي أحد أهم الأدوات الفاعلة في
ممارسة الدبلوماسية الحضارية ،لما يتيحه من إمكانات واسعة
لنقل الرسائل الثقافية والقيمية والسياسية عبر فضاءات عابرة
للحدود الجغرافية والثقافية .فلم يعد الخطاب الدبلوماسي
148

